السيد محمد تقي المدرسي

222

من هدى القرآن

السعي والعمل القصيرة ( أعني الدنيا ) ، وبين مستقبل الجزاء والحصاد الخالد ( أعني الآخرة ) ، فإنك حيث تراه وتدرس حياته تجده شعلة من النشاط والسعي المتواصل ، ومهما فتشت في سني حياته فلن تجد إلا شذرا تلك الساعات الضائعة التي تملأ عادة حياة سائر الناس . وكيف يسمحون لأنفسهم بالخوض واللعب وكل لحظة من عمرهم هي خطوة إلى اللقاء مع الله ؟ ! إنهم لا يحتملون غضب الله عليهم ، ولا أن ترهقهم ذلة عند لقائه ، ولذلك تركوا التمنيات والأحلام إلى السعي الدؤوب ، لأنه ليس في أنفسهم ذرة من شك في حقيقة الآخرة وعذابها الواقع حتى يطلقوا لشهواتهم العنان ، أو يعيشوا عيشة الهازل ! . بينات من الآيات : [ 1 - 4 ] قال الإمام الصادق عليه السلام : لَمَّا نَصَبَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله عَلِيًّا يَوْمَ غَدِيْرِ خُمٍّ فَقَالَ : مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَليٌّ مَوْلَاهُ ] . طَارَ ذَلِكَ في البِلَادِ ، فَقَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللهِ النُّعْمَانُ بْنُ الحَرْثِ الفِهْرِي فَقَالَ : أَمَرْتَنَا عَنِ اللهِ أَنْ نَشْهَدَ أَنْ لَا إِلهَ إَلَّا اللهُ ، وَأَنَّكَ رَسُولُ اللهِ ، وَأَمَرْتَنَا بِالجِهَادِ وَالحَجِّ وَالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصَّومِ فَقَبِلْنَاهَا مِنْكَ ، ثُمَّ لَمْ تَرْضَ حَتَّى نَصَبْتَ هَذَا الغُلَامِ ! فَقُلْتَ : مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَهَذَا مَوْلَاهُ ، فَهَذَا شَيْءٌ مِنْكَ أَوْ أَمْرٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ ؟ ! قَالَ صلى الله عليه وآله : أَمْرٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ . قَالَ اللهُ الَّذِي لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ إِنَّ هَذَا مِنَ اللهِ ؟ قال اللهُ الَّذِي لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ إِنَّ هَذَا مِنَ اللهِ . قَالَ : فَوَلَّى النُّعْمَانُ وَهُوَ يَقُولُ : « اللَّهُمَّ ] » إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الحَقُّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوْ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيْمٍ . فَرَمَاهُ اللهُ بِحَجَرٍ عَلَى رَأْسِهِ فَقَتَلَهُ فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى : « سَأَلَ سَائِلٌ » ] « 1 » . وفي رواية أخرى قال أبو بصير عن الصادق عليه السلام : بَيْنَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وآله ذَاتَ يَوْمٍ جَالِساً إِذْ أَقْبَلَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عليه السلام فَقَالَ لَهُ رَسُولُ الله صلى الله عليه وآله إِنَّ فِيكَ شَبَهاً مِنْ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ . . . فَغَضِبَ الْحَارِثُ بْنُ عَمْرٍوالْفِهْرِيُّ فَقَالَ : اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ أَنَّ بَنِي هَاشِمٍ يَتَوَارَثُونَ هِرَقْلًا بَعْدَ هِرَقْلٍ ( اسم ملك الروم أراد بني هاشم يتوارثون ملكا بعد ملك ) فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ ، فَأَنْزَلَ الله عَلَيْهِ مَقَالَةَ الْحَارِثِ ونَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ « وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ » [ الأنفال : 33 ] ثُمَّ قَالَ لَهُ : يَابْنَ عَمْرٍو إِمَّا تُبْتَ وإِمَّا رَحَلْتَ فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ بَلْ تَجْعَلُ لِسَائِرِ قُرَيْشٍ شَيْئاً مِمَّا فِي يَدَيْكَ فَقَدْ ذَهَبَتْ بَنُو هَاشِمٍ بِمَكْرُمَةِ الْعَرَبِ والْعَجَمِ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وآله : لَيْسَ ذَلِكَ إِلَيَّ ، ذَلِكَ إِلَى الله تَبَارَكَ وتَعَالَى ، فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ قَلْبِي مَا يُتَابِعُنِي عَلَى التَّوْبَةِ ولَكِنْ أَرْحَلُ عَنْكَ فَدَعَا بِرَاحِلَتِهِ فَرَكِبَهَا فَلَمَّا صَارَ بِظَهْرِ الْمَدِينَةِ أَتَتْهُ جَنْدَلَةٌ فَرَضَخَتْ هَامَتَهُ ثُمَّ أَتَى الْوَحْيُ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وآله فَقَالَ :

--> ( 1 ) شواهد التنزيل : ج 2 ، ص 381 .